تبوأت شجرة الزيتون مكانة هامة في الحضارات القديمة فإضافة الى ما مثلته كغذاء ودواء فقد كان لها مكانة رمزية لدى الشعوب كأحد أركان ثقافة الحياة والسلام ولئن لم يستقر رأي المؤرخين وعلماء الآثار حول مكان نشأتها ،فإنهم اتفقوا على قدم هذه الشجرة المباركة في حوض البحر الأبيض المتوسط
في سياق هذا التاريخ العريق لم تكن تونس غائبة ,بتسجيل حصور بارز للزيتونة في بلادنا منذ العهد الفينيقي ,مرورا بالحقبة الرومانية وما وجود مصابيح طينية ولوحات فسيفسائية و ترمز للزيتونة والزيت إلا خير شاهد على ذلك
تاريخ الزيتون في صفاقس
تعود زراعة الزيتون في تونس إلى عهد الفينيقيون الذين في انتشار غراسة أشجار الزيتون في شمال أفريقيا وغرس القرطاجيون أشجار الزيتون في العديد من مناطق البلاد التونسية
وأوضح المختص في الجغرافيا والباحث في مجال غابات الزيتون التونسية طارق الزواغي أن أقدم الغابات هي التي زرعها القرطاجنيون في الشمال بتبرسق وأوتيك وزغوان وبنزرت، وهي غابات زرعها الجيش القرطاجني بعد هزيمته مع روما حتى أنّ القائد حنّبعل تولى بنفسه غراسة الزيتون .
أما غابات حيدرة وماجل بالعباس ومرناق والساحل وصفاقس والجنوب التونسي فقد زرعها الرومان بعد انتصارهم على قرطاج واحتلالها ، فكان الامبراطور يوفد الجيش لزراعة الزيتون وقد أثبتت العديد من النقائش الرومانية ذلك
وفي مدينة صفاقس استمرت تقاليد التشجير بالزيتون بعد الفتوحات الإسلامية، لتتدعم بعد تأسيس مدينة صفاقس على يد الأغالبة بإنشاء غابة زيتون حول المدينة وقد تحدث”ابن حوقل” في القرن العاشر ميلادي عن تخصص مدينة صفاقس في إنتاج الزيتون والزيت وتحولها إلى مركز تجاري مهم
ووقف “أبو عبيد البكري” عند أهمية زيت الزيتون في المبادلات التجارية لمدينة صفاقس بقوله “صفاقس في وسط غابة زيتون ومن زيتها يمتار أهل مصر وأهل المغرب وصقلية والروم … وهي محطة السفن يقصدها التجار من الآفاق بالأصول الجزيلة لابتياع المتاع والزيت”
لقد مرت غراسة الزيتون بصفاقس بمراحل عدة عبر العصور فتأرجحت بين التدهور والازدهار بنشأة غابة الزيتون القديمة بعيدا عن الجنان واكتساب الفلاح الصفاقسي خبرة في مجال غراسة الزيتون و توفر الأدوات الفلاحية كالمحشة،المحراث العربي، مواجها بذلك قساوة الظروف الطبيعية وخاصة منها قلة المياه فضلا عن التقنيات التي اعتمدها ,المتمثلة خصوصا في تعميق الحفرة التي ستستقبل شجيرة الزيتون و الزبيرة ” التشذيب” و تكثيف الحراثة ” الميالي ‘ و ” المحشة
وشهد قطاع الزيتون في صفاقس منعرجا أساسيا سنة 1850 سيما مع احداث الحاج محمد التريكي لطريقة جديدة في غراستها و تصفيفها (17 اصل في الهكتار ) و قد احترمت الغراسة مسافة 24 و 25 مترا بين كل شجرة و بلغت مساحة الغابة 18000 الف هكتار سنة 1881 ضمت 380 الف شجرة ( وصل العدد الى 600 الف شجرة) ليتطور الى 200000 الف هكتار سنة 1905
وخلال فترة استحواذ المستعمر الفرنسي على عدة اراضي فلاحية توسعت غابة الزيتون توسعا كبيرا واسترعت مهارة الصفاقسية و ثراء تجربتهم في غراسة الزياتين و ارسائهم التقاليد خاصة بهم في طلبعة المساءل التي جلبت انتباه الفرنسيين
و شهدت غراسة الزياتين تحولا هاما خلال سنة 1892 تاريخ اصدار أمر فتح باب تمليك اراضي السيالين للعموم شريطة مباشرة الغراسة في ظرف أربع سنوات فتم غراسة مليون شجرة جديدة ، وقد اصبح الفرنسيون يتحدثون عن صفاقس العاصمة الاقتصادية البلاد.
وتعرضت الاراضي السيالية حول صفاقس لهجمة استيطانية بموجب امر 8 فيفري 1892 الذي شرع للإستيطان الرسمي لغابة الزيتون الصفاقسية
وتطور عدد أشجار الزيتون بصفاقس لتصبح الولاية بمثابة أكبر غابة زيتون في العالم بأكثر من 10 مليون شجرة ويضم هنشير الشعال من هذا العدد حوالي 400 ألف شجرة منتجة للزيتون ليتميز ويكون أكبر غابة زيتون في العالم بعد ضيعة كاليفورنيا الأمريكية .
عصر الزيتون في صفاقس كأحد أهم عناصر التراث الثقافي اللامادي
لا يمكن الحديث عن عصر الزيتون في صفاقس ضمن هذا المبحث قبل تغريف التراث الثقافي غير المادي وكذلك الاجابة عن السؤال التالي لم ينبغي صونه ؟
لقد تغير مصطلح «التراث الثقافي » في مضمونه تغيراً كبيراً في العقود الأخيرة، ويرجع ذلك جزئياً إلى المعايير التي وضعتها اليونسكو. التي جعلت التراث الثقافي لا يقتصر على المعالم التاريخية ومجموعات القطع الفنية والأثرية، وإنما يشمل أيضا التقاليد أو أشكال التعبير الحية الموروثة من أسلافنا والتي ستنقل إلى أحفادنا، مثل التقاليد الشفهية، وفنون الأداء، والممارسات الاجتماعية، والطقوس، والمناسبات الاحتفالية، والمعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون، أو المعارف والمهارات المرتبطة بإنتاج الصناعات الحرفية التقليدية.
ويشكل التراث الثقافي غير المادي، بالرغم من طابعه الهش، عاملاً مهماً في الحفاظ على التنوع الثقافي في مواجهة العولمة المتزايدة. ففهم التراث الثقافي غير المادي للجماعات المختلفة يساعد على الحوار بين الثقافات ويشجع على الاحترام المتبادل لطريقة عيش الآخر.
وصف تّفصيلي ل”عصر الزيت بصفاقس ” كعنصر من التراث اللامادي التونسي
من أجل صون وتثمين التراث اللامادي التونسي أطلق المعهد الوطني للتراث مشروعا لجرده وكان من بين أهم العناصر المضمنة عنصر رحي الزيتون أو عصر الزيت بصفاقس وهذه لمحة عن أهم مكونات هذا العنصر الهام من التراث اللامادي من حيث المهارات المرتبطة بهذه الحرفة
تتلخص عمليّة عصر الزيت بصفاقس كما ورد في الجذاذة التي أصدرها المعهد الوطني للتراث والتي أعدها محافظ التراث السيدة دليلة بوزيان بالاشتراك مع االفقيد الباحث في ذات المعهد الدكتور فريد خشارم في “رحي حبّات الزيتون حتّى تخرج سوائله التي تحتوي ّ على نسبة من المرجين ونسبة من الزيت ثم فصل الزيت عن المرجين
وأكد الباحثان أن من أقدم طرق استخراج الزيت الطريقة اليدويّة وذلك في نطاق الأسرة، حيث يُرحى الزيتون ثم يدمك بالأرجل ويُطفح.هذا في النطاق العائلي الضيّق، أما كميّات الزيتون الكبيرة فكانت توجه مباشرة إلى المعاصر التي شهدت تطّورا في مكّوناتها منذ بداية القرن 20 وتواصل إلى زمن التاريخ الراهن.
تمّر عمليّة عصر الزيتون وفق ما ورد في البطاقة التي نعتمدها في عذا المقال ” بعدّة مراحل متتالية، فإثر توجيه الزيتون إلى المعصرة ووزنه على آلة تسمى “بسكولة”، يجمع الزيتون في مكان خاص يعرف بالمصرف يوجد في ساحة فسيحة وتختلف أعداده حسب حجم المعصرة، ليمّر بعدها في “الريّاشة” للتنظيف وإزالة األتربة وأوراق الزيتون، ثم ينقل الزيتون عن طريق عربة يدويّة صغيرة تسمى “فيس” إلى “المصب و انطالقا من المصب تنزل حبّات الزيتون في المكان المخصص للرحي يسمى “مدار” الذي يتكّون من مبنى مستدير يسمى “فرش” و”قرقابة” اسطوانيّة ضخمة متكّونة من عجلتين كبيرتين من الحجارة تدور على محور قائم وتستغرق عمليّة الرحي ساعة كاملة لتتحّول الثمار إلى عجينة.وتصب العجينة في حوض ويستخرج منها زيت النضوح إذ يطفو الزيت فوق العجينة التي تعبّأ في شوامي من الحلفاء وتطرح داخلها وتوضع في محور عمودي يسمى “الدوابل” ”.
تعصر العجينة حسب ما وردة في الجذاذة التي أعدها محافظ التراث السيدة دليلة بوزيان والدكتور فريد خشارم بالضغط على الشوامي مّما يمكن من اسخراج زيت يعرف “بزيت الدوابل” أو زيت العصرة الأولى الذي هو خليط من الزيت والمرجين،ولفصلهما تحول المادة المتحصل عليها إلى حوض مكسو بالخزف الأبيض يسمى “طفاحة، وذلك باستعمال وعاء متوسط الحجم به عروتان يسمى “بستيليا” ثم يضاف للمادة المنقولة للحوض كمية من الماء الساخن ويترك لمدة ساعة كاملة ليطفو الزيت في حين يستقر المرجين في قاع الطفاحة و يعبّأ هذا الزيت باستعمال “النحاسة”، الإناء الدائري الصغير ويسكب في مجاري اصطناعيّة تسمى “ساقية” نحو أواني التجميع حيث يستقر في الوقاف” شبيه بالبرميل ثم يحّول إلى البتيّة.
في الأثناء يعيد العملة أو “البحريّة” عصر العجينة ألأولى أو “الفيتورة” مّرة ثانية بإفراغ الشوامي أو “تفريك الفيتورة” ووضعها ثانية في الشوامي ومن ثمة الى “البرايز” أو “البرايس” وهي مكبسة تضغط على الشوامي لاستخراج الزيت العالق بالفيتورة ويسمى زيت بريسة أو زيت عصرة ثانية أو درجة ثانية وكذلك زيت “سيكوندة” وهو أقل جودة.
بعد إتمام جميع المراحل، يجمع الزيت المو ّجه للاستهالك في الجوابي وهي عبارة عن أحواض عميقة مكسيّة بالخزف ألأبيض أما الزيت المزمع تخزينه إلى بقيّة السنة أو الموجه إلى التصدير فيعبّأ في مواجل فسيحة تغلق بإحكام.
أ ّما بقيّة المواد وهي “الفيتورة” تجمع في فضاء فسيح يسمى “المنشر” تو ّجه إلى المصنع ويستخرج منها زيت قليل الجودة يسمى”زيت فيتورة” كما يصنع منه الصابون، في حين يجمع المرجين في أحواض خارجيّة تسمى “جوابي” ويوجه إلى المصبّات
الزيتونة في التراث الشفوي الصفاقسي
تعتبر التقاليد الشفويّة وأشكال التعبير الشفويّ بما في ذلك اللغة كواسطة للتعبير من أهم عناصر التراث الثقافيّ اللامادّي وفي صفاقس تحدث أجدادنا عن الزيتونة وأهميتها على المستوى الصحي والاقتصادي والاجتماعي وخزن زيت الزيتون في البيوت من أجل ادخاره لفترات الأزمات الاقتصادية وقد احتفظت الذاكرة بأمثال شعبية عدة تتحدث عن أهمية زيت الزيتون في التداوي والأكل من ذلك :
يعطيك سيل عاقب سيل في أول مارس يا ملبسة الحرير لهل العرايس
الماء الي ماشي للسدرة … الزيتونة أولى بيه
الكسب نخلة والغنى زيتونة
الزيت يخرج مالزيتونة … ويا سعد الي كلمته موزونة
الظل كرمة٫والهواء زيتونة
خبزي وزيتي عمارة بيتي
الزيت عمود البيت
الخبز مخبوز والزيت في الكوز
إشرب الزيت وناطح الحيط
خلي الزيت في جرارو حتى تجيك أسعارو
زيتنا في دقيقنا
طايش كيف الزيت على الماء
. ما بطلع الزيت إلا من كثر العصر
زيتها طيب ولقاطه يشيب
هذا فضلا عن بعض الأغاني النسائية التي نورد منها هذه المقاطع باسم الله بديت على سيد الأمة صليت …..زيتوني ما نقرقبه كونشي في البيت … زيتوني ما نقرقبه كونشي بيدي …. رحية بعد رحية ونسخن لمية … ونطفح زيتو ما نضيعش منو وقية …. إنادي معاي للرحي إميمة ووخية
وهذه الأغنية التي يتغنى بهل في المعصرة والتي تؤكد أن الأهالي كانوا يعتمدون كذلك المعصرة لتحويل منتوجهم من الزيتون وفي أجواء احتفالية . زع يا جمل يهديك لا يفوتنا ….. للمعصرة سرح خطاك ليوم …وها العرس مكثر حفالتو .. وزياتينو تهز وتجيب
اضافة الى الأغنيىة التي قدمها ثلاثي الأنس لفرقة اذاعة صفاقس والتي يقول مطلعها تنور وتجيب زيتونتنا والغلة … تطيب في غابتنا … تنور في الغابة وفي الهنشير … وتجينا الصابة وأيام الخير … والفرح يزيد في رويحتنا … الى آخر الأغنية
هكذا اذا نلاحظ أن الزيتونة كانت حاضرة في تاريخ صفاقس وفي الموروث الثقافي اللامادي منذ القدم فهي لم تكن عنصرا غذائيا فحسب بل كانت ولا تزال مصدرا لاستلهام الأشعار والتغني
محمد المنجة
المصادر
الجرد الوطني للتراث الثقافي المادي للمعهد الوطني للتراث – جذاذة أعدها محافظ التراث السيدة دليلة بوزيان بالاشتراك مع االفقيد الدكتور فريد خشارم
الموقع الرسمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة
أرشيف وزارة الفلاحة ( 2000)
شجرة الزيتون: موروث تاريخي و ثقافي هام في المجتمع الصفاقسي للبنى المسعودي بوحاجب
أبو عبيد البكري :المسالك والممالك
عبد الرحمان القلال:مقال حول الأعمال الفلاحية وآلات لخدمة الأرض والمحافظة على الماء وخزن الثرى، شمس الجنوب،2002
المتضلع في التراث الجهوي بصفاقس يوسف الشرفي
– كتاب دراسات في تاريخ القيروان الاجتماعي الدكتور الاسعد الدراجي- غراسة الزيتون وخدمتها موقع تاريخ صفاقس
– المختص في الجغرافيا والباحث في مجال غابات الزيتون التونسية طارق الزواغي
30 نوفمبر 2021 دراسات اقتصاديةتحرير
.png)














ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق